القاضي النعمان المغربي
40
تأويل الدعائم
ممن يعامله وينقله إذا علم منه تقصيرا أو إساءة ، فيما تقدم له ليخلصه من ذلك ، وتسهيل ذلك إذا كان في الوقت والزمان والأحوال ما يوجب تسهيل ذلك ، والمسامحة فيه وذلك من اللّه جل وعز تخفيف ورحمة . ويتلو ذلك ذكر الأمر بذكر الموت : فذكر الموت في الظاهر والباطن ، مما ينبغي للمؤمن استعماله ، وتعاهده ، فيذكر من ظاهره انتقاله من دار العمل إلى دار الجزاء ، ويعمل لما يرجو الجزاء عليه بالثواب ، وكذلك يذكر أيضا انتقال في الباطن من حال إلى حال في درجات الفضل والإيمان ، فيعمل بما يرجو به الارتقاء في درجات الفضل والإيمان . ومن ذلك ما يتلوه من قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله إذا دعيتم إلى الجنائز فأسرعوا فإنها تذكركم الآخرة ، وعن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال من دعى إلى وليمة وإلى جنازة فليجب الجنازة ، فإن حضور الجنائز يذكر الموت والآخرة ، وحضور الولائم يلهى عن ذلك ، فهذا مما ينبغي فعله في الظاهر لما فيه من ذكر الآخرة ، والموت في الظاهر وحضور الجنازة في الباطن حضور نقلة المنقول ، في حدود دعوة الحق ، وذلك بذكر من حضره فضل ما يصير إليه المنتقل ، ومثل حضور الولائم في الباطن مثل حضور أمور الدنيا الجارية بين أهلها ، وذلك يسلى عما ذكرناه من أمر الدين ، وينسيه . ويتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله من قوله أكيس المؤمنين أكثرهم للموت ذكرا وأشدهم له استعدادا ، وهذا مما تقدم بيان التأويل فيه . والكيس في اللغة العقل ، وأعقل المؤمنين أكثرهم للموت الظاهر والباطن ذكرا ، لأن من أكثر ذكر شيء اهتم به ، وأوشك أن يستعمل الواجب فيه ، وأشدهم له استعدادا ، فليستعد بالعمل الصالح ليرقى به في درجات الفضل إذا كان الارتقاء فيها هو باطن الموت ، وذلك هو العدة أيضا لما بعد الموت الظاهر ، في الحياة الدائمة . ويتلوه قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله : الموت ريحانة المؤمن ، والريحان أطراف كل نبت طيب الريح ، وخص به الآس لاشتهاره في ذلك ، وبقائه على الزمان لا يسقط ورقه ، ولا يجف شجره ، في شتاء ولا صيف ، كما يجف عود